
تحلّ ذكرى ميلاد الفنان الكبير أحمد راتب لتعيد إلى الذاكرة سيرة فنية وإنسانية استثنائية، لفنان لم يكن مجرد ممثل موهوب، بل صاحب مدرسة أداء خاصة صنعت له مكانة راسخة في وجدان الجمهور المصري والعربي.
انطلق راتب في بداياته من شاشة التلفزيون، قبل أن يشق طريقه بثبات إلى عالم السينما والمسرح، ليقدّم أدوارًا متنوعة جمعت بين الكوميديا والدراما بذكاء نادر، حيث استطاع أن يعبّر عن هموم المجتمع بروح ساخرة وأداء بسيط يصل بسهولة إلى الناس.
في السينما، ترك بصمة واضحة من خلال أعمال خالدة مثل: «الإرهاب والكباب»، «اللعب مع الكبار»، «جزيرة الشيطان»، «الإرهابي»، و«السفارة في العمارة»، خاصة في تعاونه المتكرر مع الزعيم عادل إمام، الذي شكّل معه ثنائيًا ناجحًا في عدد من الأفلام الجماهيرية.
أما في الدراما التلفزيونية، فقد تألق في أعمال صنعت تاريخ الشاشة الصغيرة، من بينها «المال والبنون»، «سكة الهلالي»، ومسلسل «أم كلثوم»، الذي حصد عنه جائزة مهرجان الإذاعة والتلفزيون، تأكيدًا على قدرته على تجسيد الشخصيات المركبة بصدق وعمق.
لم تكن حياة أحمد راتب خالية من التحديات، فقد تعرّض لإصابة قوية أثناء تصوير فيلم «بخيت وعديلة»، كما مرّ بتجربة الاعتقال في شبابه على خلفية مشاركته في اعتصام طلابي، وهي محطات صقلت شخصيته ومنحته بعدًا إنسانيًا انعكس على أدائه الفني.
وحتى لحظاته الأخيرة، ظل وفيًا للمسرح، حيث وافته المنية وهو ملتزم بعرض مسرحي، في مشهد مؤثر تزامن مع وفاة والده في اليوم نفسه، ليختصر ذلك حجم إخلاصه للفن حتى النفس الأخير.
وفي جانب إنساني مؤثر، كشفت لمياء راتب، ابنة الفنان الراحل، عبر منشورات على فيسبوك، عن مواقف خاصة من حياة والدها لا يعرفها الجمهور، ترسم صورة مختلفة لفنان بسيط وقريب من بيته وأسرته؛ من وقوفه ساعات طويلة في مبنى الإذاعة في بداياته من أجل أداء أي عمل صوتي مقابل أجر بسيط، إلى حرصه على تفاصيل صغيرة تُسعد أبناءه وأحفاده، مثل شراء الخس للسلحفاة، أو الإمساك بيد ابنته ليريها ما اشتراه لها فقط ليشاهد الفرحة في عينيها.
وتبقى واحدة من أكثر اللحظات إنسانية في سيرته، ما روته ابنته عن آخر موقف له في المنزل، حين قام – وهو في قمة ألمه وقبل وفاته بخمسة أيام – بغسل وتقطيع تفاحة لحفيده حمزة فقط لأنه قال أمامه: «عايز تفاحة»، في مشهد يلخص إنسانية أحمد راتب قبل فنه.
في ذكرى ميلاده، لا يُستدعى أحمد راتب كفنان فقط، بل كحكاية إنسانية كاملة، جمعت بين الموهبة، والبساطة، والالتزام، والحب الصادق للفن والحياة.



