لايف ستايل

خبير قانوني: المادة 309 تهددك بالحبس والغرامة حال تصوير مقطع فيديو ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي دون إذن



لم يكن القرار الذي سمح للمواطنين في مصر بتقديم بلاغاتهم مدعومة بمقاطع مصوّرة إلى الشرطة والنيابة العامة قرارًا خاطئًا، بل كان خطوة جريئة في طريق إشراك المجتمع في تحقيق العدالة.

لقد كانت النية نبيلة، والهدف أسمى: أن يصبح كل مواطن عينًا للقانون، يساهم في كشف الجريمة ومساعدة أجهزة الدولة.

لكن – وكما يحدث حين تُترك الأمور بلا ضوابط – تحوّل هذا الحق إلى سلاحٍ بلا وعي، ومعه بدأت الفوضى الرقمية تُشوّه المضمون الوطني بدل أن تخدمه.

فما بُني على نية الخير، صار اليوم يهدد سمعة المجتمع المصري بأسره، ويخلط الطيب بالخبيث، والمثقف بالمبتذل، والمحترم بالمسيء.

*حين انقلب المقصود إلى نقيضه

الفكرة كانت في الأصل “مشاركة شعبية في العدالة”، لكنها بمرور الوقت تحولت إلى منصة للفضائح، ومرآة مشوهة للمصريين، انتشرت المقاطع التي تُظهر أخطاءً فردية، وتم تضخيمها حتى صارت تُقدَّم على أنها صورة عامة للمجتمع كله.

وأصبح كل مشهدٍ عابر في الشارع مادةً للتشهير، وكل كلمةٍ غاضبة “تريندًا”، وكل سلوكٍ عفوي دليلًا على الانحلال أو الفوضى، وهنا مكمن الخطر أن تُهدم صورة مجتمع بأكمله، لا بخطأ مؤسسي، بل بعدسة هاتف في يدٍ غير واعية.

أن يُرسم عن المصريين في الخارج انطباعٌ بأنهم يعيشون وسط فوضى وسلوكيات منحطة، بينما الواقع مليء بالمثقفين والمحترمين وأصحاب القيم، الذين صاروا اليوم ضحايا لعدسات لا تعرف التمييز.

*القانون… ميزان لا يعرف العشوائية

القانون المصري لم يقف صامتًا أمام هذه الفوضى، بل وضع قيودًا واضحة وهذا ما أكد عليه المستشار القانوني أحمد عبدالستار زكي

المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة في تصريحاته لـ”ايجي بودكاست” مؤكدًا أن المادة 309 مكرر من قانون العقوبات تُجرّم تسجيل أو نشر أي مادة مصوّرة تمس الحياة الخاصة دون إذن صاحبها وتضيف المادة (309 مكرر أ) أن: “من نشر أو تداول تلك الصور أو المقاطع دون موافقة أصحابها يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه ولا تجاوز 50 ألف جنيه.”

علاوة على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يعاقب بالسجن والغرامة كل من نشر محتوى ينتهك الخصوصية أو يُسيء إلى الآخرين عبر الإنترنت: “كل من انتهك حرمة الحياة الخاصة عن طريق الإنترنت أو نشر صورًا أو فيديوهات دون رضا صاحبها يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه.”

وأضاف أحمد عبدالستار زكي: لكن الإشكالية ليست في غياب النص القانوني، بل في ضعف الوعي بتطبيقه، فحين يختلط “البلاغ الحقيقي” بـ“الفضيحة العامة”، تضيع الحقيقة، وتتحول العدالة إلى “فوضى شعبية رقمية” يختلط فيها الصالح بالطالح.

*تشويه متعمد أم جهل جماعي؟

وأكد عبد الستار: حين يُنشر مقطع يظهر فيه سلوك خاطئ من أحد الأفراد، لا يكتفي البعض بعرض الواقعة، بل يبدأ التعليق، والتحليل، والإدانة، وكأننا أمام محكمة إلكترونية لا تعرف الرحمة.

بهذا الشكل، تم تدمير سمعة الكثير من المثقفين والمتعلمين، الذين ربما وجدوا أنفسهم في مشهد عابر أو موقفٍ مُسيء التفسير.

وأشار تلك المقاطع، وإن بدت بسيطة، تكسر الصورة الراقية للمجتمع التي بُنيت عبر عقود من التميز والعلم والفن والتحضر.

*الدين والضمير… خطوط حمراء لا تسقط بالتكنولوجيا

وأكد عبد الستار المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة “ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا”، في الدين، الأصل هو الستر لا الفضح، وفي الأخلاق، الأصل هو النُصح لا التشهير، وفي القانون، الأصل هو الإبلاغ لا النشر، وحين نخلط بين هذه المفاهيم الثلاثة، نصنع مجتمعًا مريضًا لا يأمن فيه أحدٌ على كرامته.

*نحو تشريع أكثر وعيًا

وأشار عبد الستار: الواقع اليوم يفرض على المشرّع المصري أن يتدخل ليس لتقييد الحرية، بل لتنظيمها، فنحن بحاجة إلى إطار تشريعي جديد ينظم عملية التبليغ الإلكتروني، ويضع حدودًا فاصلة بين البلاغ القانوني والتشهير المجتمعي.

يجب أن يُعاد النظر في سياسة استقبال المقاطع من المواطنين، بحيث تُسلّم من خلال منصات رسمية فقط، وتُمنع عن التداول العام، فاستمرار الوضع الحالي يعني ببساطة تدمير الصورة الذهنية للمصريين في الداخل والخارج، وتشويه سمعة مجتمعٍ بأكمله بذريعة “الشفافية”.

*كلمة أخيرة

في النهاية أكد أحمد عبد الستار زكي المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة ما بدأ كخطوة نحو الشفافية، قد يتحول إلى منحدرٍ نحو الفوضى إن لم يُضبط، العدالة لا تُبنى بالمقاطع المنتشرة، بل بالقانون والضمير.

والمجتمع الذي يسمح لعدسات الهواتف أن تحاكم أفراده في العلن، يفقد مع الوقت احترامه لخصوصيته وإنسانيته، فلتكن الكاميرا وسيلةَ إصلاحٍ لا فضيحة، وعدسةَ وعيٍ لا إساءة.

ولنتذكر دائمًا أن المصري الذي علّم البشرية معنى القانون والأدب منذ فجر التاريخ، لا يليق به أن يُختزل في مقطعٍ عابر أو مشهدٍ مشوَّه، بل يُعرَّف بحضارته الراسخة، وثقافته التي تجاوزت الزمان، وأدبه الذي بقي شاهدًا على رُقيّ الإنسان المصري في كل عصر.

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى